أبو حامد الغزالي
121
تهافت الفلاسفة
أما الأول فنقول : الفاعل عبارة عمن يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار ، ومع العلم بالمراد ، وعندكم أن العالم من اللّه تعالى كالمعلول من العلة يلزم لزوما ضروريا ، لا يتصور من اللّه تعالى دفعه ، كلزوم الظل من الشخص ، والنور من الشمس ، وليس هذا من الفعل في شئ ، بل من قال : إن السراج يفعل الضوء ، والشخص يفعل الظل ، فقد تجوّز ، وتوسع في التجوز توسعا خارجا عن الحد ، واستعار اللفظ اكتفاء بوقوع المشاركة بين المستعار له والمستعار منه في وصف واحد ، وهو أن الفاعل سبب على الجملة ، والسراج سبب الضوء ، والشمس سبب النور ، ولكن الفاعل لم يسم فاعلا صانعا ، لمجرد كونه سببا ، بل لكونه سببا على وجه مخصوص ، وهو وقوع الفعل منه على وجه الإرادة والاختيار ، حتى لو قال قائل : الجدار ليس بفاعل ، والحجر ليس بفاعل ، والجماد ليس بفاعل ، وإنما الفعل للحيوان ، لم ينكر عليه في ذلك ، ولم يكن قوله كاذبا ، وللحجر فعل عندهم ، وهو الهوى والثقل والميل إلى المركز ، كما أن للنار فعلا وهو التسخين ، وللحائط فعلا ، وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل ، فإن كل ذلك صادر منه وهو محال . فإن قيل : كل موجود ليس واجب الوجود بذاته وإنما هو موجود بغيره ، فإنا نسمى ذلك الشئ مفعولا ، ونسمى سببه فاعلا ، ولا نبالى كان السبب فاعلا بالطبع ، أم بالإرادة ، كما أنكم لا تبالون أنه كان فاعلا بآلة أم بغير آلة ، بل الفعل جنس ، وينقسم إلى ما يقع بآلة ، وإلى ما يقع بغير لم آلة ، فكذلك هو جنس ، وينقسم إلى ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار ، بدليل أنا إذا قلنا « فعل » بالطبع ، لم يكن قولنا « بالطبع » ضدا لقولنا « فعل » ولا دفعا ونقضا